حيدر حب الله

356

نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي

بعد هدمه هذه المقولة يقرأ الصدر التفسير بالرأي بشكل آخر ، يحاول التماس ما فيه من عناصر إبداعيّة وهي تتلخّص في نقاط ثلاث : النقطة الأولى : إن كلمة « الرأي » لا يصحّ التعامل معها بشكل لغوي بحت وفقط ، بل لا بد من دراسة سياقها التاريخي ، فقد تحوّلت هذه الكلمة إلى دالّ تاريخي على تيار كبير في الثقافة الإسلامية عرف بمدرسة الرأي ، وإذا فهمنا هذا السياق التاريخي أمكننا أن نعرف أن النهي عن التفسير بالرأي يراد به النهي عن ذلك المنهج المتّبع في أوساط مدرسة الرأي ، أي الاعتماد على العقل فقط حتى لو كان ظنيا دون رجوع أبدا إلى المعصوم عليه السّلام « 1 » . النقطة الثانية : إن موضوعا كهذا في غاية الأهمية وعام البلوى ، ومقتضى طبيعة الأشياء وما يترقّب حصوله على صعيده هو أن تعمل الناس بفهمها للنص القرآني ، فإذا أرادت الشريعة أن تنهى عن ظاهرة كهذه لم يكن يكفي في ذلك مجرّد بعض النصوص العامة ، بل كان لا بدّ من الردع بما يتناسب وحجم الظاهرة ، فكأن هناك تناسبا طرديا بين النهي والظاهرة ، فكلّما عمّت الظاهرة ورسخت كلّما كانت الحاجة إلى نصوص أبلغ وأكثر وأكبر وأعظم « 2 » ، وإذا رجعنا - على سبيل المثال - إلى نصوص النهي عن القياس لوجدنا - على ما قيل وفق ما ذكرنا سابقا - حوالي خمسمائة رواية ، فكيف يمكن لمقولة التفسير بالرأي - وهي أعظم خطرا من القياس - أن تحظى فقط بعدد قليل جدا من الروايات ، قال عنه جماعة من الباحثين القرآنيّين : إنه لا يبلغ حتما حدّ التواتر ولا يزيد على المستفيض وأصابع اليد ، وأن رواياته ضعيفة إلا واحدة ؟ ! « 3 » . النقطة الثالثة : إن الشيوع العملي لتفسير القرآن في الحقبات الماضية يشكّل مانعا عن فهم نصوص النهي على نحو الإطلاق ، فالموضوع إنما أثير في الفترات المتأخرة ، فكيف لم يلتفت أحد إلى هذا الموضوع قبل الأسترآبادي « 4 » ؟ !

--> ( 1 ) - الصدر ، مباحث الأصول 2 : 233 - 234 ؛ ودروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية : 221 . ( 2 ) - المصدر نفسه : 234 ؛ والحلقة الثانية : 221 . ( 3 ) - انظر ما كتبه علي أكبر بابائى وغلام علي عزيزي كيا ومجتبى روحانيراد في كتاب « روش‌شناسي تفسير قرآن » ( منهج التفسير ) : 56 - 57 ، وانظر أيضا هامش 4 ص 56 ؛ لكن آية اللّه الأراكي يذهب إلى أن هذه الأحاديث قريبة من التواتر ، فراجع له : أصول الفقه 1 : 495 ؛ وهكذا يرى البجنوردي أن أخبار النهي عن الرجوع للقرآن ربما بلغت حدّ التواتر ، فراجع له : منتهى الأصول 2 : 115 ، ويرى الباحث القرآني المعاصر الدكتور حبيب اللّه طاهري ، في كتابه « درسهاي از علوم قرآن » أنّ نصوص التفسير بالرأي تبلغ حدّ التواتر ، لاحظ كتابه المذكور 2 : 216 . ( 4 ) - الصدر ، مباحث الأصول 2 : 234 - 235 ؛ والحلقة الثانية : 222 .